وثيقة حركية حول الوضع الراهن

الجمعة 1 تموز (يوليو) 2011

التاريخ:1 /10 /2009

وثيقة حركية 1

حينما انطلقت حركتكم الشامخة في زمن الحصار والانتظار، وزمن السلاسل والقيود، وزمن التردّد والمهل، وزمن الخطاب والوعود، في الفاتح من كانون الأول عام 1965، قرّرت «فتح» أن الوقت قد حان لانتزاع الحضور من التغييب، والثقة من التخبّط والتلاطم، والفعل من الكلام، والإقدام من الإحجام، والمبادرة من المناقلة، فاستخارت واختارت، بضع رجال صادقين مؤمنين، من طليعة أبناء شعبنا المخلصين، عاهدوا الله على الجهاد في سبيله، وأقسموا على كتابه الكريم بالإخلاص والثبات، فإنما هي إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، على طريق تحرير الوطن فلسطين، وعودة الشعب إلى وطنه السليب المغتصب.

نهضت «فتح» على بركة الله، تستنقذ من زمن الضياع والتضييع، والحصار والنكوص والتمييع، ما أمكنها لتدشن مسيرة الطلقة الأولى، تكسر القيود وتحطّم السلاسل، وتزرع الطريق إلى فلسطين، كل فلسطين، بأمل وثقة، وتقود مسيرة شعبنا الملحمية، من الخيمة والتشريد، إلى الكفاح والتجنيد، من بتر التواصل والتفاعل، إلى التحشيد لجماهير أعظم ثورة في العصر الحديث، تعيد صياغة الهوية الوطنية، وتعيد رسم طريق المستقبل، وتعيد صياغة الحضور الإنساني، وتعيد التأكيد على الرواية الفلسطينية التي كانت أول ضحايا النكبة والتشريد.

سارت حركتكم تحرس وجود هذه القضية وعدالتها، ببندقيتها الوطنية الأمينة، وبتضحيات أبنائها وكوادرها وقادتها الأشاوس، فقدمت آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، على طريق العودة إلى
فلسطين، والعودة بفلسطين إلى مكانها الطبيعي، حرةً كريمة في محيطها القومي العربي، وحوضها الإسلامي الحضاري، وادلهمت الصعاب من أكثر من حدب، فحاولت ثورتكم الخروج من كل مآزق الطريق، تلك التي فرضت نفسها على المقاتلين الثوار، فدفعت الأثمان الباهظة، ولم تفقد بوصلتها الأهم، نحو القدس وفلسطين، ولم يكن ممكناً أن تنجو الثورة من مصائد كثيرة، بعضها كانت نتيجة أخطاء ارتكبتها الثورة، وبعضها نتيجة التآمر عليها، ولكنها مع كل ذلك استطاعت أن تقيم حداً نهائياً، بين مرحلة غياب قسري، ومرحلة حضور فعلي، واستطاعت ان تنجز هدف العمل الجبهوي الواحد، عبر إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وتجهيز الساحة الوطنية الفلسطينية، لجني ثمار الثورة ومراحلها الطويلة، بالتحرير والاستقلال الوطني، والعودة إلى الديار والأحباب والأهل.

صمدت الثورة في حربها الأسطورية في بيروت، لصد العدوان الصهيوني الاوسع والأخطر على جماهير أمتنا وشعبنا عام 1982، ورغم الحصار القاتل والذي استمر ثمانية وثمانين يوما ، لم تستسلم الثورة ولم ترفع الأعلام البيضاء، وخرجت قوات الثورة الفلسطينية من لبنان الشقيق، بعد أن اختارت القيادة القبول بما ألحت عليه القوى الوطنية اللبنانية، فخرجت بكل العنفوان والعزة تواصل الطريق من الدول العربية الشقيقة التي استضافت قوات الثورة، وتعيد ترتيب أوراقها السياسية في طريق الصراع مع العدو الصهيوني، فخططت قيادة الشهيد أبو جهاد من القطاع الغربي ليكون الرد الاستراتيجي ، لنقل المعركة إلى داخل الوطن المحتل، فبدأت تقاسيم العمل الذي تكلّفت به قيادة القطاع الغربي عبر تشكيلات ميدانية تحت اسم الشبيبة الفتحاوية ، وكانت الانتفاضة المباركة الأولى، التي ورغم الوضع الشاق والصعب، الذي كانت تعانيه القضية الوطنية، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، أمطرت العدو بما لم يتوقع ، فأخلّت توازنه وأظهرته مرتبكاً ، وفرضت عليه أجندة الثورة ، ولكنها وبعد السنوات الثلاث الأولى من انفجارها في وجه العدو، وقعت القيادة من جديد في فخ الإقليم وصراعاته، وذلك جرآء منعكسات حرب الخليج الأولى عام 1990، فحوصرت القيادة مما أثر على الانتفاضة وبرامجها، وكان ذلك بسبب خيارات القيادة بالدعوة للحل العربي والانحياز له، والذي لم تستطع أن تظهره جلياً واضحاً، فقبلت موقعاً حشرت فيه بحيث ظهر وكأنه على غير حقيقة الموقف الذي كان يجب أن تتمترس عنده، فحوصرت القيادة الفلسطينية وبدأت القضية الوطنية تعاني ، ورغم هذه الصعوبات الكثيرة استمرت الانتفاضة المباركة، حيث أنتجت رافعة وطنية حقيقية، كان يمكن استغلالها لتحقيق انسحاب العدو من الضفة الغربية وقطاع غزة الحبيب دون دفع الأثمان الباهظة، عبر الاعتراف بهذا العدو من قبل منظمة التحرير الفلسطينية في وثيقة أوسلو «الموت» ، والتي كانت أعظم الخطايا في تاريخ الثورة، وأفدح الخيارات الاستراتيجية المغامرة، سيما بالنظر إلى ما آلت إليه هذه التجربة المريرة، ونتيجة لانكشاف حقيقة العدو الصهيوني الذي عمل على التفجير المبكر لكافة الحدود الدنيا، وأظهر نيته في فرض شكل من أشكال الحكم الذاتي المحدود في كل شيء باستثناء التعليق على الزمن اللامحدود، وذلك عبر استغلال أجهزة السلطة الفلسطينية كأداة في سعيه اللاهث لفرض هذه الحلول، مما شكل مقتلاً حقيقياً لهذه التجربة المريرة خاصة بعد أن دفع القائد الشهيد ياسر عرفات، حياته ثمناً لهذه التجربة الخطرة عندما أراد أن ينقذ القضية الوطنية من مصيدة الشطب وفرض الاستسلام الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وانجلت الحقيقة عن كومبارادور وغول مفزع، نما وترعرع في تجربة أوسلو بين ظهراني شعبنا، بعضه تآمر على قضيتنا الوطنية مباشرة، وعلى ثوابتنا الوطنية، ومن خلال مارثونات المفاوضات العبثية وحلقتها المفرغة، فاغتال وتآمر، وسرق وسمسر، وغدر ودمّر، ونسّق وتخابر، وبعضه صمت على الجرائم، وساهم في ضرب وحدة شعبنا في الوطن المحتل، وبعضه أخذته العزة بالإثم، فأدار ظهره للثورة والشعب، وأدار ظهره لتاريخ كامل من التضحيات العظام، التي قدّمها أبناء شعبنا، كل ذلك من أجل مصالح ذاتية وشخصية، لا تليق بثوّار ولا بمناضلين.

تراكم الانحدار في عربة فتح، فالتقت مصالح المستورثين مع مصالح المتوهمين، ومخططات المخربين مع تواطؤ الانتهازيين، فعقدوا مؤتمراً صورياً تحت اسم المؤتمر الحركي السادس في بيت لحم المحتلة، وتحت حراب العدو وأجهزته الأمنية ، وتنسيق الجنرال الأمريكي كيث دايتون، لكي ينتزعوا شرعية لنهج التفريط والاستسلام ، ولثلة متهمة باغتيال القائد أبو عمار، و متهمة أيضا بالتخطيط والتنفيذ لتدمير حركتكم وتحويلها إلى حزب سياسي بارد، لفائدة شكل سلطة الحكم الذاتي الهزيل، مستخدمة اسم الحركة كغطاء صوري لتمرير وقائع الاستسلام للعدو، وإسقاط حقوق الشعب الفلسطيني، وذلك تنفيذا لدورها الموكل إليها عبر اللقاءات السرية التي جرت طيلة الفترة الماضية، بفرض حكم محلي مرقع في بعض مناطق الضفة المحتلة، وتشكيل قوة بوليسية قمعية، توجه رصاصها وأسلحتها المرتبطة صهيونيا، إلى صدور مناضلي شعبنا، وأولهم أبناء فتح من مناضلي كتائب شهداء الأقصى وأذرعة «فتح» العسكرية، وتكريس العداوة في أبناء شعبنا، عبر تكريس الفصل بين الضفة وغزة، واستبدال العدو الصهيوني بفصائل وقوى فلسطينية أخرى كعدو، تقود إلى فقدان التوازن، وتسهيل مهمة التفريط ، واستغل نهج التفريط والمساومة، الضغوط التي مورست في الساحة الفلسطينية عقب نتائج انتخابات السلطة الفلسطينية، لتدخل عمليات الاستقطاب السياسي الحاد مرحلة الصدام بين شقي السلطة، حيث ردت حركة حماس بقرار الدفاع عما اقتنعت بأنه حقها في السلطة، ولو أنه على حساب دورها في المقاومة، وكان أن حدثت المصادمات العنيفة التي أفضت إلى انفصال غزة عن الضفة ، مع الوقائع المؤلمة التي واكبت هذا، والتي لعبت دورها في إذكاء المزيد من عوامل التشويه وحرف النضال الوطني الفلسطيني عن مساره، وما أدى إلى دخول العدو على الخط، حيث مصلحته الأكيدة في توفير كل عناصر التفرقة والتشتيت داخل الوطن الفلسطيني والمجتمع الفلسطيني والشعب الفلسطيني بعامة، وكان آخر ذلك عدوانه الهمجي الوحشي على القطاع الحبيب بدءاً من 27 كانون أول- ديسمبر من العام 2008، بعد حصار كان ولا زال ظالماً ومجرماً ضد أبناء شعبنا فيه، والذي أدى إلى تعريض القضية الوطنية إلى مرحلة شديدة الخطورة على أبواب الضياع من جديد، وتبديد منجزات شعبنا طيلة فترة نضاله الملحمي.

ويعلم العدو علماً يقيناً، أن الحركة الوطنية لن تسكت، وأن حركة التحرير الوطني الفلسطيني لا بد أن تستدرك هذه المرحلة، وأن تعيد تقييم مجمل المرحلة السابقة، وأن تستخلص العبر من ذلك، وأن تعيد قيادة حركة الجماهير من جديد باجتراح الحلول التي تكفل وقف هذا المسلسل بعد انفضاحه، ولذا وضع العدو نصب عينيه ضرورة قطع الطريق على «فتح»، وعلى قيامتها وانتفاضتها، فوضع هدفه التالي بتحطيم «فتح» نهائيا، فدفع إلى تسهيل مؤتمر مطلوب ، يعمل على إجهاض هذا الضمان الوطني القادم، وهكذا تتضح خطوط المؤامرة، وتتضح معها طبيعة الاستحقاق الصهيوني الثاني من مؤتمر "دايتون"، بعد عملية تجهيز المسرح للتفريط وشطب القضية، حيث المهمة التالية للعدو «فتح» أخرى، عبر قيادة مخلّقة تمت عملية سرقتها للتمثيل في المؤتمر غير الشرعي، وبالطريقة الفجة الوقحة التي انتزعت بها، ممن لا يمثل «فتح» ولا حتى قائمة العضوية للمؤتمر الشرعي الحقيقي.

ومنذ إعلان الأخ فاروق القدومي "أبو لطف"، أمين سر الحركة، عن وثيقة الوديعة التي أودعها لديه الشهيد ياسر عرفات، في شأن مؤامرة اغتياله، وقيام محمود عباس بسلسلة الخطوات غير الشرعية، ولا التنظيمية، مستغلاً المال والتهديد والابتزاز، وكل الوسائل الرخيصة، التي يستخدمها الطواغيت والمتآمرون، ونحن نراقب.

كنا أيها الأخوة قد راهنا على أن تصحح المسيرة نفسها، من خلال الصوت الحر والشريف، والذي لا زال قوياً رغم كل خطوات الاستئصال، بين كوادر ومناضلي حركتنا، وكان حتى موعد انعقاد هذا المؤتمر غير الشرعي، هو موعد للمطالبة فيه بتبيان الحقيقة، وإجراء مراجعة شاملة لكل المرحلة السابقة، بما فيها من أخطاء وخطايا، طالت ليس فقط حركة «فتح»، بل وطالت القضية الوطنية نفسها، وحققت للعدو الصهيوني، ولأول مرة منذ انطلاق الثورة الفلسطينية، وضعاً مريحاً وسهلا، ينجز فيه أهدافه الاستراتيجية، نافذا أولا من غياب الوحدة الوطنية التي طالما كانت صمام الأمان، وشرط الانتصار الأهم كما علّمنا الشهيد ابو جهاد، وكما سارت عليها مسيرة ثورتنا، ومسلكيات المناضلين الحقيقيين فيها، ونافذا أيضا من خلال ضرب (م.ت.ف) وتحويل دوائرها ومؤسساتها إلى هياكل اسمية فارغة المضمون والفعل، واستخدام اسمها لانفاذ سياسات التخريب المتعمّد في المجتمع الفلسطيني، ونافذا هذا العدو أخيرا من خلال تمزيق حركة «فتح» وتشويه تاريخها وحاضرها، وزرع مستقبلها بالمفخخات والمقاصل.

ولكن ذلك لم يحدث، وظهر جلياً أن استهتار زمرة عباس قد بلغ مداه، فلم يظهر في كل هذه المسرحية ولو ملمح واحد من ملامح المؤتمرات الحركية الحقيقية، بل استمر مسلسل التزييف والتزوير، ومسلسل الدجل والشعوذة، فلا من تقارير للجنة المركزية، ولا من ضبط للعضوية في

أعمال المؤتمر، ولا من انتخاب واقتراع بالطريقة النظامية القانونية، عدا عن التطاول على النظام الداخلي، وافتعال تصفيق لتزكية محمود عباس بما أسمي "رئاسة" لفتح، وكل هذه الهمروجة تجري باسم «فتح» ، وباسم مناضليها وشهدائها وجرحاها وأسراها، بمخالفة صريحة للمادة 42 من النظام الأساسي للحركة، والتي تنص على الاقتراع السري كوسيلة وحيدة لانتخاب الأطر القيادية ، وبالضد من النظام الأساسي في كليته والذي لا ينص على مسمى رئيس للحركة، ولا ينص على طريقة انتخاب أو اختيار قائد عام لها، وهكذا ازداد مسلسل الانحدار والسقوط، وتكشفت بعد مسرحية اجتماع رام الله باسم المجلس الوطني على ذات مسرحيات التحايل والاستخفاف، مواقف عباس الحقيقية وسلطته بعد انفجار فضيحة جولدستون ، ومستوى السقوط والتآمر الذي بلغته، الأمر الذي لم يعد معه من أمل سوى التحرك، لانقاذ حركتنا وثورتنا وقضية شعبنا، من المؤامرة الواضحة، والتي تستهدف كل ما آمن به المناضلون واستشهد من أجله الثوار.

حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»

تيار المقاومة والتحرير


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 120 / 79286

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع أدبيات التيار   wikipedia    |    titre sites syndiques OPML   OPML

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC

Creative Commons License

4 من الزوار الآن

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح