الشهيد ياسر عرفات : على القدس رايحين شهداء بالملايين

بقلم الاخ أيمن اللبدي
الجمعة 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013

ياسر عرفات لم يكن فقط الزعيم الأبرز للشعب الفلسطيني خلال خمسة عقود متتالية فقط، بل كان في الواقع تجسيدا لكل ملامح القضية الفلسطينية ذاتها والعلامة الأبرز في صنع محطاتها خلال نصف القرن الأخير الذي احتل فيه بلا منازع العنوان الرئيس فيه. ليس من السهل اختصار حياة هذا القائد في سطور أو في روايات لأنه في لحظة ما تجد هذه السطور تضيق لانفتاح الذاكرة والاحداث والأجيال على تخوم الواقع فهو باختصار عجينة هذا الحدث الذي أنت بصدده ونتيجته معا.
كان أبو عمار قائدا ملهما وثوريا وقادرا على استكشاف الطريق مهما ضاقت ومهما حجبت الرؤية بحدسه الذي لم ينازعه أحد فيه وبصدق إيمانه بحتمية النجاة ، فهو سيد النجاة وقائد العربة التي لن تضلّ أبدا لأنها على سكة فلسطين، منذ اللحظات الأولى أدرك أن قضية شعبه هي القربان التي يسعى نصف العالم لتقديمه على مذبح صعوده، والتي يسعى النصف الثاني إلى تقبّل ذلك بأقل ما يمكن من وخز ضمير أو تبعات إنسانية لن تكون بعيدة عن هذا الحدث الذي لم يسبق له في التاريخ مثيلا.
ولأن قضيته هي قضية العالم نفسه بأخلاقه وإنسانيته وحضارته أدرك أبو عمار أنه لن يخسر القضية وأنها عادلة لا لبس فيها ومحقة إلى الحد الذي يستطيع ربّان السفينة أن يكسر الأمواج فيها مهما كانت صاخبة وجاحدة وهمجية، وكان يدرك أن شعبا لديه مواصفات شعبه في التاريخ الانساني ضاربا في جذور نتاجه البشري الحضاري وله فيها موضع مركزي لا يمكن أن تكون معركته كمعارك خاسرة خاضتها شعوب أخرى في العالم الجديد وانتهت إلى الإبادة، إذ هذا هو شعب الجبارين كما كان يقول في النهاية.
لقد أصرّ الحسيني ياسر عرفات على الانطلاق على ذات الطريق التي خطّها مثاله الأعلى الحسيني عبدالقادر ومضى على ذات النهج الثوري الوطني المقاوم، وكان اللقاء الذي جمعه بالحاج أمين الحسيني يوما فرصة ليقيس درجة إبداعه من تأخّر خطواته على نهج شهيد القسطل، ليدرك أنه استطاع أن يأخذ فرصة كبيرة ليناور المصير حتى تأمين المرحلة القادمة التي يضعها بين يدي أجيال أخرى من شعبه، لم يكن يريد أبو عمار أن تنتهي التجربة والثورة دون التمهيد لمرحلة النضال القادمة لأنه أدرك منذ البداية انه طريق طويل.
كانت محاذير ياسر عرفات الأساسية في مواجهة المصير تبدأ وتنتهي من ضرورة كسر ما بنى الصهاينة في شعاراتهم وفي سياساتهم وما استقرّ لاحقا في خلفياتهم النفسية والفكرية دون أن يسمحوا لأنفسهم أن يتركوا فارقا بين الكذبة والحقيقة في هذا كلّه فيسقطون في نهاية الأمر في هذا الهامش، وأول هذه الأساطير قصة الكبار يموتون والصّغار ينسون فحرص على أن تتولى الثورة ليس فقط صناعة الطريق إلى حاضر الانتقال الذي أعلن عنه وكرّسه باكرا واختصره في عبارته الشهيرة في الاغوار لتنقلها مجلة تايم الامريكية على غلافها باننا “لسنا لاجئين بل مقاتلين من أجل الحرية”، لا بل أراد أراده لمستقبل الأجيال عبر شعاره الذي ردّده وهو يدرك أنه على مسافة أسابيع من الشهادة قائلا “على القدس رايحين شهداء بالملايين”.
ولأن هذا الشعار وهذا النشيد وهذه الاغنية ليست مجرّد مادة أدبية أو فنية ولا هي هتاف سياسي عابر بل إنها عندما تخرج من فم القائد ياسر عرفات الذي طالما اختصر الوصايا ومعها الأوامر الثورية بشعار أو تعليق أو حتى نظرة من عينه، فإنها تصبح في الواقع الوصية الأوضح في نهج وأسلوب وحياة وطريق ياسر عرفات، نعم إنها القدس وهي مرحلة كل المراحل وعنوان كل العناوين أطلقها ياسر عرفات تماما كما اعتاد أن يطلق العبارات التي كان يتضح لاحقا أنها الاستراتيجية والمسار في حياة الثورة الفلسطينية والمحطة الابرز لكفاح ونضال شعبنا، تماما كما قال يوما هبّت رياح الجنة في الكرامة وكما قال يوما إلى فلسطين من على ظهر بوارج البحر بعد صمود بيروت الرائع والأسطوري.
اختصر ياسر عرفات الوصية واختصر ياسر عرفات المسار وأقام الحجة نهجه الاستشهادي انتهى بأمنيته التي سأل الله تعالى صادقا أن ينالها فأعطاه إياها “شهيدا شهيدا شهيداً” وبوصيته التي أقامها“على القدس رايحين شهداء بالملايين”....

ميعاداً ...ميعاداً يا أبا عمارْ........


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة
الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 420 / 76206

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع أدبيات التيار   wikipedia    |    titre sites syndiques OPML   OPML

موقع صمم بنظام SPIP 3.0.17 + AHUNTSIC

Creative Commons License

1 من الزوار الآن

الزوار المتصلون حالياً: 0

"مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح